منوعات

بصي يا عروسه

لكن حسن قال وهو بيحاول يقف أنا كويس… ابعدي.
الضابط سلّم الفلاشة لأحد رجاله.
خدها بسرعة للعربية… ومتسيبهاش من إيدك.
الرجل خرج يجري.
في اللحظة دي…
الراجل صاحب البدلة ابتسم ابتسامة غريبة.
وقال بهدوء مخيف
فاكرين إن دي النسخة الوحيدة؟
الجميع سكت.
فتح جاكيت بدلته ببطء، وأخرج ظرفًا أصفر قديمًا.
رفعه قدام حسن وقال
ده… أصل الحكاية كلها.
حسن ضيق عينيه.
إيه ده؟
رد وهو بيهز الظرف
وصية أبوك… بخط إيده.
الكلمة نزلت كالصاعقة.
حسن اتقدم خطوة.
مستحيل… وصية أبويا اتحرقت بعد وفاته.

ابتسم الرجل بسخرية.
اللي اتحرق كانت نسخة.
فتح الظرف ببطء، وأخرج ورقة صفراء عليها توقيع واضح.
ثم قال وهو ينظر مباشرة إلى حسن
أبوك كتب فيها سرًا واحدًا… لو عرفته، هتعرف إن كل اللي حصل خلال السنين
دي ماكانش بسبب الفلوس أصلًا… وإنما بسبب شيء كان مخبأ باسم شخص واحد.
وسكت لحظة…
ثم وجّه إصبعه ببطء نحو فدوى.
والاسم ده…
يتبع…كل العيون اتحولت ناحية فدوى.
هي نفسها رجعت خطوة لورا، ووشها شحب.
قالت بصوت مكسور أنا؟! أنا مالي؟
الراجل رفع الورقة قدام حسن.
اقرأ بنفسك.

حسن أخد الورقة بإيد بترتعش، وبص فيها بسرعة.
كانت بخط أبوه فعلًا…
لكن أول سطر خلاه يتجمد.
لو حصلي حاجة، أوعوا تظلموا بنت الراجل اللي أنقذ حياتي…
حسن رفع عينه باستغراب.
بنت الراجل؟!
الراجل ابتسم وقال كمل.
حسن كمل قراءة، وكل كلمة كانت بتخليه يتنفس بصعوبة.
أبوه كان كاتب إنه قبل سنين، اتعرض لحادث على طريق صحراوي، والعربية اتقلبت بيه في الترعة.
الناس كلها خافت تنزل تنقذه.
إلا راجل واحد فقير… خاطر بنفسه، ونزل المية، وطلعه وهو بينازع.
الراجل ده رفض ياخد أي فلوس.

وقال له لو عايز ترد الجميل… ادعي لبنتي ربنا يسترها.
ومن يومها، أبو حسن وعد نفسه إنه لو احتاجت البنت دي أي حاجة في يوم من الأيام، هيكون أول واحد يقف جنبها.
لكن قبل ما يقدر ينفذ وعده…
الراجل مات.
والسنين عدت.
وأبو حسن فضل يدور على أسرته، لحد ما عرف إن الراجل ده…
كان أخو عم سالم.
وإن البنت الصغيرة اللي سابها…
اسمها فدوى.
حسن نزل الورقة من إيده ببطء.
بص لفدوى، وهي كانت واقفة مذهولة، مش قادرة تستوعب.

الراجل صاحب البدلة قال
أبوك كان ناوي يكتب جزء من أملاكه باسمها وفاءً بوعده.
حسن عقد حاجبيه.
وده يغضب مين؟
ابتسم الرجل ابتسامة باردة.
ناس كتير… لأن وقتها كانت فيه أراضٍ بملايين الجنيهات.
وسكت لحظة.
لكن أبوك ما لحقش.
الضابط كان واقف بيسمع في هدوء، وقال
يعني كل اللي حصل بعد كده… كان سببه إن حد كان عايز يمنع تنفيذ الوعد؟
الرجل رد وهو بيبص بعيد
مش الوعد بس…
كان فيه مستند تاني… أخطر من الوصية.
حسن اتقدم خطوة.
إيه هو؟

الرجل قال
المستند ده اختفى ليلة وفاة
أبوك.
وفجأة…
خرج صوت خبط خفيف من السرير.
الجميع التفت ناحية أم حسن.
كانت بتحاول تشير بإيدها المرتعشة ناحية الدولاب الحديد القديم الموجود في ركن الأوضة.
وبصعوبة همست
المفتاح…
حسن جرى عليها.
مفتاح إيه يا أمي؟
أشارت بعينيها ناحية المخدة.
رفع المخدة…
فلقى مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا مربوطًا بخيط قديم.
أول ما الراجل صاحب البدلة شاف المفتاح…
اتغير لون وشه تمامًا.

وتراجع خطوة للخلف وهو بيقول بقلق لأول مرة
لأ…
أما حسن، فاتجه نحو الدولاب، ومدّ إيده بالمفتاح…
ولسه هيحطه في القفل…
إذا بصوت ارتطام قوي هز باب الأوضة من الخارج، وكأن شخصًا آخر وصل، وهو يصرخ
إوعوا تفتحوا الدولاب… هتضيعوا كل حاجة!الصوت كان مألوفًا…
حسن وقف مكانه، والمفتاح بين صوابعه.
الكل بص ناحية الباب.
وببطء…
دخل رجل كبير في السن، هدومه متربة، ونفسه مقطوع من طلعة السلم.
عم سالم أول ما شافه شهق
يا ساتر… الحاج عبدالتواب!

كان الحاج عبدالتواب أقدم محاسب اشتغل مع والد حسن أكتر من ثلاثين سنة، لكنه اختفى يوم الوفاة، والناس افتكرته هرب بعد ضياع الأموال.
حسن قرب منه بسرعة.
إنت عايش؟!
هز الرجل رأسه وهو يلهث.
عشت… بالعافية.
وبص مباشرة للدولاب.
متفتحوش دلوقتي.
الضابط سأله ليه؟
رد بصوت منخفض
لأن اللي جوا مش مجرد ورق… اللي جواه هيثبت الحقيقة، لكن هيكشف كمان أسماء ناس لحد النهارده محدش يقدر يقف قصادهم.
الرجل صاحب البدلة صرخ بعصبية
كذاب! ده راجل هربان!
لكن الحاج عبدالتواب بصله بثبات وقال
أنا ما هربتش… أنا اتخفيت.

وساد صمت ثقيل.
ثم كمل
ليلة وفاة الحاج محمود… قبل ما يموت بساعات، سلمني مفتاح الدولاب ده بنفسه.
حسن بلع ريقه.
وأبويا قالك إيه؟
تنهد الرجل وقال
قال لي لو جرالي حاجة، ماتفتحش الدولاب إلا قدام ابني… وبعد ما تتأكد إنه بقى راجل يعرف يفرق بين الانتقام والعدل.
حسن نزل بعينه للأرض.
افتكر سنين التعب، والشغل، وسداد
الديون، ورفضه يهرب من حقوق الناس.
رفع رأسه مرة تانية.
الحاج عبدالتواب ابتسم لأول مرة.
واضح إن الوقت جه.
مد حسن المفتاح ناحية القفل.

لفه ببطء…
صدر صوت تك خفيف.
الدولاب اتفتح.
كان جواه صندوق خشب صغير، عليه طبقة تراب سميكة.
حسن شاله بحذر، وحطه على الترابيزة.
فتحه…
فالكل اتفاجأ.
الصندوق ماكانش مليان فلوس ولا دهب.
كان فيه
دفتر حسابات قديم.
مجموعة أظرف مختومة بالشمع الأحمر.
وساعة يد فضية مكسور زجاجها.
أم حسن، أول ما شافت الساعة…
دموعها نزلت.
همست
دي… كانت في إيده… آخر يوم.
الحاج عبدالتواب أخد الدفتر، وفتحه على صفحة معينة.
وأشار لسطر مكتوب بخط والد حسن.
وقال
من هنا… كل حاجة هتتغير.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف الضابط.
رد بسرعة، وتغيرت ملامحه.

قال بصوت منخفض
إيه؟!… إزاي؟!
قفل المكالمة، وبص لحسن مباشرة.
في حد دخل مخزن الشركة القديمة من عشر دقايق… وكأن حد كان مستني اللحظة اللي الدولاب يتفتح فيها.
ثم أضاف بجدية
واضح إن الحكاية لسه بدأت حسن قبض على الدفتر بقوة.
وقال للضابط أنا جاي معاك.
فدوى مسكت طرف جلابيته بسرعة.
إوعى تروح لوحدك.
بصلها لحظة، ولأول مرة من ساعة كتب الكتاب، ابتسم ابتسامة خفيفة.
ولا هسيبك… ولا هسيب حق أبويا.
الضابط قال بحزم مفيش وقت. عربية الشرطة تحت.

قبل ما يتحركوا…
الحاج عبدالتواب فتح أول صفحة من الدفتر بسرعة.
استنى.
كلهم وقفوا.
أشار لسطر مكتوب بالقلم الأزرق.
الحاج محمود كان بيسجل كل قرش يدخل ويخرج… لكن كان عامل علامة معينة جنب أي عملية مشبوهة.
حسن قرب.
كانت العلامة عبارة عن نجمة صغيرة.
الحاج عبدالتواب قلب الصفحات بسرعة.
نجمة…
ونجمة…
ونجمة…

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى