منوعات

حكايه زين وبنت عمه

وصلوا قدام الفيلا الكبيرة اللي في القاهرة. زين وقف العربية وما طفاش الموتور، فضل ساكت كام دقيقة كأنه بيجمع اللي باقي منه أو بيفكر في المصيبة اللي بقت لازقة في حياته. زهرة كانت لسه بتعيط في صمت وخايفة حتى ترفع عينها فيه. لف وبصلها بنظرة كلها غضب وقرف، عينيها كانت حمرا ووارمة لكن نظرته كانت حادة زي السكين وصوته طلع ناشف يسم البدن: “اسمعي كويس أوي الكلام اللي هقولهولك ده يا زهرة. هنا في القاهرة مفيش مخلوق هيعرف إنك مراتي، انتي هتبقي الخدامة الجديدة اللي جاية من البلد تشتغل في الفيلا، فاهمة؟”

زهرة رفعت وشها مصدومة والدموع وقفت في عينيها للحظة من الصدمة: “خدامة؟” “أيوة خدامة، وهتسمعي الكلام اللي هيتقالك بالحرف، ولا كلمة زيادة ولا كلمة ناقصة، وحسك عينك حد يعرف الحقيقة، لو ده حصل وحياة عمي اللي اترمى في السرير بسببك لتشوفي وش من زين عمرك ما شفتيه في حياتك، مفهوم؟” كمل كلامه بنبرة كلها تهديد ووعيد، نظراته كانت بتخرمها وبتحسسها إنها ولا حاجة، مجرد وصمة عار ماشية على رجلين.

نزل من العربية ورزع الباب وراه بكل غضب، وزهرة نزلت وراه بخطوات بطيئة وتقيلة، موطية راسها في الأرض كأنها بتعد تراب الأرض اللي ماشية عليه، حاسة بنظراته اللي بتلسع ضهرها كأنه عايز يحرقها وهي واقفة. دخل الفيلا وهو بينادي بصوت عالي يهز المكان: “يا سنية! يا سنية!” سنية، الست الكبيرة مديرة الشغل في الفيلا، طلعت تجري على صوته: “أيوة يا بيه، حمد الله على السلامة.” زين شاور على زهرة اللي كانت واقفة بعيد كأنها خيال وقال بصوت عالي قاصد تسمع كل حرف:

“دي زهرة، خدامة جديدة جبتها من البلد، هتشتغل معاكم هنا، وريها شغلها وفهميها كل حاجة.” الكلمات دي كانت زي السكاكين بتتغرز في قلب زهرة، حست إن روحها بتتسحب منها مع كل حرف بيطلع منه. نظرة سنية ليها كانت عادية جداً، نظرة واحدة شغالة لزميلتها الجديدة، لكن في عيون زهرة كانت نظرة احتقار من الدنيا كلها. الدموع اللي كانت بتحاول تحبسها نزلت تاني بصمت وحرقت وشها التعبان. سنية هزت راسها وقالت: “حاضر يا بيه، تعالي يا بنتي معايا.”

زهرة ما رفعتش راسها ومشيت ورا سنية زي الطفلة التايهة، خطواتها كانت بتجر وراها وجع الدنيا كله، وكل ما كانت بتبعد كانت بتحس إنها بتفقد حتة من نفسها وبتتأكد إن كلمة “مظلومة” دي عمر ما حد هيسمعها ولا هيصدقها.

عدى شهر، وكل يوم بيعدي على زهرة كان كأنه سنة كاملة. حياة الخدامة الجديدة كانت صعبة ومُهينة بكل تفاصيلها، وكل تفصيلة كانت بتفكرها بحياتها القديمة كبنت عم زين مش مجرد “زهرة الخدامة”. كانت بتصحى بدري جداً وتخلص شغل البيت كله وتنام كل يوم وهي بتعيط في صمت، وكلمة “مظلومة” بقت زي ترنيمة حزينة بترددها بينها وبين نفسها. زين كان بيتجنبها تماماً كأنها شبح في البيت، ولو عينه جت في عينها بالصدفة نظراته كانت بتبقى باردة ومليانة نفور.

وفي يوم سنية قالتلها إن الفيلا النهاردة هتبقى مقلوبة عشان في حفلة كبيرة زين عاملها لرجال الأعمال بتوع شركته وهي لازم تساعد في التجهيزات والتقديم. الحفلة دي كانت اختبار حقيقي ليها. لبست زهرة لبس الشغل الموحد، الفستان الأسود الطويل والمريلة البيضا، أول ما بصت لنفسها في المراية حست إنها انفصلت عن هويتها القديمة تماماً، بقت مجرد حتة من ديكور الفيلا. وبالليل الفيلا اتحولت لقاعة فخمة، أنوار وديكورات ومزيكا هادية وصوت ناس مهمة في كل مكان.

المعازيم بدأوا ييجوا، وزهرة كانت بتتحرك وسطهم بسرعة بتقدم المشروبات والأطباق وهي بتحاول ماتلفتش نظر حد ليها، وفجأة عينها وقعت عليه، زين.

كان واقف وسط مجموعة من رجال الأعمال، لابس بدلة سودا شيك جداً وشعره متسرح بعناية ووسامته بتخ.طف العين. الابتسامة الراقية اللي كانت على وشه وهو بيتكلم كانت منورة المكان ومخلياه محور اهتمام الكل. فضلت بتبصله من بعيد وهو مش واخد باله منها، وقلبها دق بطريقة غريبة وملخبطة، رغم كل الوجع والغضب اللي سببهولها سحره ووسامته خلوا قلبها يتهز، للحظة نسيت كل حاجة وحست إنها بتنجذب ليه زي الفراشة ما بتنجذب للنور، سحره كان أقوى منها لدرجة إنها حست بلمعة غريبة في عينيها.

وفي عز ما قلب زهرة كان بيرفرف لزين اللي كان طالع زي النجم الساطع وسط الحفلة، ظهرت بنت زي القمر، لابسة فستان سواريه أحمر مولع وجمالها لافت نظر الكل أول ما دخلت. مشيت بخطوات واثقة وراحت لزين دايركت، حطت إيديها في دراعه بدلال وثقة كأنها صاحبة مكان، وابتسامة واسعة مرسومة على وشها، وزين ابتسم لها هو كمان واتكلم معاها كأن وجودها طبيعي ومألوف جداً بالنسباله.

زهرة شافت المنظر ده بعينيها وهي شايلة صينية فيها مشروبات، قلبها اللي لسه كان بيدق لوسامته حس إنه بيتقطع، مين دي؟ وإيه مكانتها في حياة زين؟ أسئلة كتير دارت في دماغها وهي بتحاول تكتم الغيرة اللي بدأت تولع في قلبها غصب عنها.

بس في نفس اللحظة كان في عيون تانية مركزة مع زهرة في صمت، أياد، صاحب زين المقرب وشريكه في الشغل ورجل أعمال مرموق زيه بالظبط، كان واقف في ركن هادي وبيراقبها من بعيد. كانت لسه بتتحرك بين الضيوف بلبس الخدم، لكن رغم كده كانت بتلمع ببراءة ورقة خ.طفت عينه، لاحظ حركتها الهادية وعينيها اللي بتلمع رغم الحزن اللي مليها وشكلها المختلف تماماً عن أي بنت شافها في الوسط ده. عجبه فيها حاجة غامضة وفضوله ناحيتها كان بيزيد مع كل ثانية، فضل متابعها بنظراته الذكية اللي بتقرا اللي قدامها كأنه شايف جوهرة مستخبية وسط كومة رمل.

الحفلة كانت شغالة على ودنه والمشروبات بتلف على الكل، وأياد اللي كان بيشرب زيادة عن اللزوم عينيه مافارقتش زهرة لحد ما شافها داخلة المطبخ عشان تجيب أوردر جديد، الشرب كان لعب بدماغه خلاص، ومخه فصل، وقام وراها بخطوات مش متزنة… كملوا الباقي في الجزء الأخير

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى