منوعات

وعد الصعيدى

عاصم بدأ يشوف فيها سكنه، وهي بدأت تشوف فيه الأمان اللي عمرها ما عرفته، بس خايفه تلمسه.
فات شهر، وبقت مايان جزء من روتين الدوار. عاصم كان بيحب يراقبها وهي مش واخدة بالها. في يوم، كانت الدنيا شتا والجو برد واصل في الصعيد، عاصم رجع من الغيط ولقى مايان قاعدة في ركن في الحوش، وماسكة قميص من قمصانه كانت الخية بتاعته مقطوعة، وبتحاول تخيطه بتركيز والبرد منشف صوابعها.
وقف عاصم يراقبها، كانت بتنفخ في صوابعها عشان تدفيهم وترجع تكمل خياطة. قلب الكبير رقّ، قرب منها وقال بصوت واطي:
سيبي اللي في يدك ده يا مايان..

البرد في الحوش يِكسر العضم، قومي ادخلي جوه جِوار الفرن.
مايان اتخضت ورفعت عينها، لمعة الإعجاب في عين عاصم خلت وشها يورد رغم البرد:
خلاص يا عاصم، غرزتين وهخلص.. القميص ده غالي عندك، الحاجة آمنة قالتلي إنك بتحب تلبسه في القعدات الكبيرة.
عاصم ابتسم، ودي كانت نادرة، وطلع الشال الصوف اللي على كتفه وحطه على كتافها هي.. الشال كان فيه ريحته، ريحة أرض وهيبة. مايان حست بدفا غريب، دفا واصل لقلبها.
دفي كتافك.. والقميص فداكي، لو باظ نشتري غيره، بس إنتِ ميتعوضش تعبك.
مايان بصت في الأرض، الكلمة كانت كبيرة وقوية.

عاصم حب يشيل التوتر، فبدأ يسألها عن حياتها في مصر، عن وحدتها، وعن أحلامها اللي اتسـ,ـرقت. كانت بتحكي وهو بيسمع بقلبه قبل ودنه، لقى نفسه بيوعد نفسه إن اليتيمة دي مش هتعرف طعم اليتم تاني طول ما هو عايش.
وفي ليلة تانية، عاصم تعب شوية من نزلة برد شديدة. الدوار كله اتقلب، والحاجة آمنة كانت تعبانة مش قادرة تقف. مايان هي اللي سهرت جنبه، كانت بتعمله كمادات وتغيرله الماية طول الليل وهو غايب عن الوعي.
في لحظة، عاصم فتح عينه نص فتحة، لقى إيدها الناعمة على جبهته، وشعرها نازل على وشها بتعب. مسك إيدها وهو مش دريان، وقال بهمس:

متمشيش يا مايان.. خليكي هنا.. الدوار من غيرك ملوش طعم.
مايان قلبها كان هيقف، عيطت في صمت وهي بتبوس إيده من غير ما يحس:
يا ريت ينفع أفضل يا عاصم.. يا ريتني كنت نظيفة كفاية عشان أليق بيك.
عاصم فاق الصبح، لقاها نايمة على الكرسي جنبه من التعب. بصلها بحب حقيقي، حب ملوش علاقة بالشفقة. بقى بيخلق أعذار عشان يكلمها، يطلب منها تعمل له القهوة مخصوص، يطلب رأيها في لون دهان في المندرة الجديدة.. كان بيحسسها إنها ست البيت مش مجرد ضيفة.

لكن وسط كل ده، كان رعد زي الخيال الأسود، بيظهر في أحلامها، ويظهر في نظرات رجالته اللي بيعدوا من قدام الدوار كل يوم. هي كانت بتمـ,ـوت من جوه، كل ما عاصم يقرب خطوة، هي ترجع خطوتين بخيالها، خايفة إن الحلم ده ينتهي بكابوس اسمه الحقيقة.
رعد مكنش من النوع اللي ينسى، والسكوت بتاعه كان هدوء ما قبل العاصفة. كان بيغلي وهو شايف إن عاصم الهواري مش بس كسر كلامه، لا ده كمان مأمن البنت وعامل لها شنة ورنة في الدوار.
في يوم، عاصم كان في الغيط، بيشرف على جني المحصول، والجو كان هادي زيادة عن اللزوم.

فجأة، سمع صوت فرامل عربيات وغلظة سلا..ح. رعد نزل من عربيته ومعاه عشر رجالة، كلهم شايلين السلا..ح على كتافهم.
عاصم وقف ببرود، ومعاه النبوت بتاعه، وبص لرعد بنظرة سخرية:
إيه يا ولد الصاوي؟ جيت الغيط بموكب، خايف من شجر الذرة لا يطلعلك فيه عفاريت؟ مايا خالد
رعد قرب ووشه محقون بالغل:
العفاريت إنت اللي محضرهم يا عاصم. أنا جيت أقصر معاك الكلام.. البنت اللي عندك دي، أنا عارف إنك بدأت تتمسح فيها، بس حابب أقولك إنك بتلعب في عرضي أنا.. البنت دي كانت ضيفة في بيتي، والناس بدأت تتكلم، وصيتها بقى على كل لسان..

سلمها بالذوق، بدل ما أخلي سيرتك وسيرتها لبانة في بق الكل.
عاصم قرب من رعد لحد ما النفس بقى في النفس، وقبض إيده على النبوت بقوة:
عرضك؟ إنت تعرف يعني إيه عرض أصلاً؟ البنت دخلت حمايا، ولو نملة لمستها يبقى قطع رقبتك على يدي.. والناس اللي بتتكلم، أنا أقطع لسانها، وإنت أولهم لو نطقت اسمها تاني.
رعد ضحك بصوت عالي ومستفز:
ماشي يا كبير الهوارية.. بكرة لما تعرف حقيقتها، إنت اللي هترميها لرجالتك في الغيط. البنت دي مش زي ما إنت فاكر يا مغفل.. اسأل نفسك هي ليه بتهرب من عيني كل ما تشوفني؟

وليه مرعوبة من رعد بالذات؟
رعد سابه ومشي، بس الكلمات دي زرعت شك بسيط في قلب عاصم، مش شك في أخلاق مايان، لكن شك إن فيه مصيبة رعد عاملها وهي اللي مأثرة عليها.
عاصم رجع الدوار بالليل ووشه ميتفسرش، دخل لقى مايان واقفة في الطرقة بتستناه وبيدها فوطة عشان يغسل وشه من تراب الغيط. أول ما شافت عينه، قلبها انقبض.
مالك يا عاصم؟ فيك إيه؟ حد حصل له حاجة في الغيط؟
عاصم بصلها نظرة طويلة، نظرة كانت عايزة تخترق ضلوعها وتعرف المستخبي. مسك يدها فجأة وقال بصوت فيه نبرة غريبة:

رعد كان عندي في الغيط يا مايان.. رعد بيقول إنك كنتي في بيته وسيرتك بقت على لسان الناس.. رعد بيقول إن فيه حاجة أنا معرفهاش.
مايان حست إن الأرض بتلف بيها، دمها هرب من عروقها، والفوطة وقعت من يدها. كانت عايزة تنطق، بس لسانها اتجمد.
هو.. هو قالك إيه؟
عاصم ضغط على يدها براحة:
ميهمنيش هو قال إيه، يهمني إنتِ تقولي إيه.. أنا مش مصدقه، بس سكوتك ده بيحرقني يا مايان.. قوليلي مفيش بينك وبينه حاجة، قوليلي إنه كداب وأنا أروح أمحيه من على وش الأرض دلوقتي.
مايان بدأت تترعش بانهيار، مكنتش قادرة تبص في عينه.

سحبت يدها منه وجريت على أوضتها وهي بتعيط بحرقة. عاصم فضل واقف مكانه، قلبه بيتعصر.. حاسس إن فيه حيطة سد بينه وبين البنت اللي عشقها، والحيطة دي رعد هو اللي بناها.

الليل دخل وسكنت الحركة في الدوار، بس النار اللي رعد قادها في صدر عاصم مكنتش راضية تهمد. عاصم فضل قاعد في الحوش، ماسك مسبحته وصوت حباتها وهي بتخبط في بعضها كان زي دقات طبول الحرب.
أما مايان، فكانت في أوضتها، قافلة على نفسها وبتمـ,ـوت في كل ثانية مية مرة. كلام رعد لعاصم كان معناه إن النهاية قربت، وإن الستر اللي استخبت فيه شهر كامل بدأ يتكشف. مكنتش خايفة من رعد، كانت خايفة من نظرة الاحتقار اللي ممكن تشوفها في عين عاصم لو عرف.
قامت ببطء، غسلت وشها، ولبست شالها الصوف، وقررت إن النهاردة لازم يكون آخر يوم للخوف.

نزلت السلم بخطوات زي الخيال، لقت عاصم قاعد لوحده، ضهره محني لأول مرة وكأنه شايل جبل.
وقفت وراه وقالت بصوت مهزوز:
عاصم..
عاصم مالتفتش، بس صوت مسبحته وقف. رد بصوت ناشف زي الحجر:
عاصم كان بيستناكي يا مايان.. كان مستني إنك متخليش الكداب ده ينام الليلة وهو حاسس إنه كسرني فيكي.
مايان قربت وقعدت على طرف الكرسي اللي جنبه، كانت بتترعش بس عينيها كانت ثابتة المرادي:
رعد مكذبش في حاجة واحدة.. هو فعلاً دمرني.. بس كذب في الباقي.
عاصم لف وشه ليها فجأة، عيونه كانت حمرا من السهر والوجع:
يعني إيه دمرك؟

انطقي يا بت الناس.. رعد عمل فيكي إيه؟
مايان غمضت عينيها، ودمعة سخنة نزلت حفرت طريق على خدها:
بعد الفرح.. لما روحت معاهم الدوار عشان أغير هدومي.. رعد قفل عليا الباب. صرخت، استنجدت، بس مكنش فيه حد.. رعد خد مني كل حاجة يا عاصم.. خد شرفي وغصب روحي، ضـ,ـربته على دماغه وهربت منه وهو بيجري ورايا بالبندقية عشان يكسر فيا أكتر.. أنا جيتلك وأنا مكسورة، جيتلك وأنا حاسة إني ج*ثة ماشية على الأرض.
الكلمات نزلت على عاصم زي الصاعقة.

قام وقف فجأة، الكرسي وقع وراه، ملامحه اتحولت لشيء مرعب، العروق في رقبته برزت وصدره بقى بيطلع وينزل زي البركان.
مايان كملت بانهيار:
كنت عايزة أقولك.. والله كنت عايزة، بس كنت بخاف من اللحظة دي.. كنت بخاف أشوف في عينك إني رخيصة أو إني دنس غصب عني.. أنا مش ذنبي يا عاصم، والله ما ذنبي!

عاصم ملمسهاش، ولا نطق بكلمة حنية واحدة زي ما كانت متوقعة. سابها واقفة بتبكي، ومشي بخطوات سريعة ناحية السلا..ح اللي متعلق على الحيطة. خده، وحمرق في عينه شر ملوش آخر، وخرج من الدوار وهو بيصرخ في رجاله:
يا هوارية!! السلا..ح يطول.. النهاردة مفيش صلح.. النهاردة فيه دم هيغسل العار!
مايان وقعت على الأرض بتصرخ، كانت فاكرة إنه هيحضنها، بس عاصم الصعيدي، الكبير اللي جواه غلب العاشق. خرج ومبصش وراه، وهي فضلت في مكانها، حاسة إنها خسرت كل حاجة.. خسرت نفسها، وخسرت الراجل الوحيد اللي حست معاه بالأمان.
عاصم راح لبيت رعد، والبلد كلها صحيت على ضـ,ـرب النـ,ـار.

عاصم مقتـ,ـلوش بطـ,ـلقة وخلاص، عاصم ذله قدام الكل، جابه تحت رجله وخلاه ينطق بالحقيقة قدام كبار البلد وهو بيمـ,ـوت من الضـ,ـرب، وبعدها سلمه للبوليس بعد أعترف على كل أعماله الغير شرعية واخرهم خطف الضيفة واعتداءها عليها ده حق اللي استجارت بيا.. وده حق الغدر.

رجوع عاصم الدوار كان أصعب من خروجه. دخل ووشه متغرق دـ,ـم، لقى مايان قاعدة مكانها زي ما سابها. بص لها نظرة وجعت قلبها أكتر من رصاص رعد.. نظرة فيها حب ميت، ووجع كبير.
حقك جه يا مايان..
قالتله وهي بتمسح دموعها بكسرة:
وحقي عندك يا عاصم؟
بص لها بجمود وقال:
إنتِ في حمايا يا بنت الناس، وهتفضلي هنا معززة مكرمة.. بس اللي انكسر بيني وبينك، الجبل نفسه ميعرفش يلمه.. قومي ادخلي أوضتك، والصبح هو اللي هيقرر طريقنا فين.أسبوع كامل مرّ وكأن الدوار اتقلب لمقبرة، عاصم اللي كان جبل بيحميها، بقى هو الجبل اللي كاتم على نفسها.

الجفا في الصعيد ملوش صوت، بس ليه نغزة في القلب أوعر من نغزة السلا..ح.
كانت مايان بتتحرك في الدار زي الخيال، كل ما تحاول تقرب خطوة، تلاقي منه صدة تخليها ترجع عشرة. في يوم نزلت وراه المندرة، شايلة القهوة اللي كانت بتعملها بيديها وتشوف في عينه لمعة الرضا، بس المرة دي، أول ما دخلت، عاصم محركش عينه من على الورق اللي قدامه، وقال بنبرة خشنة ومن غير ما يبصلها: سيبيها عندك يا بت الناس، وخلي سعدية هي اللي تعاود تاخد الفنجان.. مش عايز أشغل وقتك بخدمتي واصل.
مايان وقفت والدمعة فرت من عينها:

إنت مابقتش تطيق تبص في وشي يا عاصم؟ أنا ذنبي إيه في اللي حصل؟.
عاصم قام وقف فجأة، وشه كان محقون بالوجع والغضب، وصوته طلع مبحوح كأنه بيطلع من تحت الأنقاض: ذنبي وذنبك إننا اتقابلنا والوجع تالتنا! كل ما أبص في وشك بفتكر رعد.. بفتكر إني جيبت حقي بالدم بس مبردتش ناري.. إنتِ ضحية يا مايان، بس أنا صعيدي، والصعيدي لو لقى في أرضه نبتة داس عليها الغريب، مبيعرفش يرويها تاني بقلب صافي!.
طول الأسبوع كان بيلف من طريق لو شافها ماشية فيه، ولو قعدت على سفرة، يسيب أكله ويقوم بحجة إنه شبعان.

حتى الشال اللي كان بيدفيها بيه، بقى يرميه على الكرسي لو لمسته يدها غصب عنها، كأنه بيخاف من عدوى الوجع اللي ساكنها لحد اليوم اللي عاصم كان قاعد في المندرة والظلمة واكلة نص وشه. دخلت مايان بخطوات زي الهمس، مكنتش محتاجة تحكي، وشنطتها اللي في يدها كانت هي الحكاية كلها لكن خرج صوتها ببطئ: أنا مسافرة يا عاصم أشوف وشك بخير وشكرا على كل حاجة عملتهالي ورجعت لي حقي وقفت قدامه والمسافة بينهم كانت كأنها بلاد.
بصت له بصه طويلة، كانت عايزة تلمح في عينه أي رجاء، أي حركة تقولها خليكي.

لكن عاصم فضل زي التمثال، عينه مثبتة على السجادة اللي تحت رجله، وإيده ضاغطة على طرف الكرسي بقوة خلت الخشب يزيق. الصمت كان تقيل، تقيل لدرجة إن نهج صدورهم كان مسموع.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى