بدأت الشغلانة قبل الفجر بساعات، والشارع كله كان واقف بيتفرج في صمت. أوناش ضخمة، وعربيات نقل مخصوص، وعمال بيتحركوا بدقة كأنهم في عملية عسكرية. نجلاء كانت واقفة بعيد، ملامحها هادية، لكن جواها سنين من القهر بتطلع مع كل دقيقة. المهندس قرب منها وقال: “آخر فرصة يا مدام… لو مترددة نوقف كل حاجة.” بصت للبيت وقالت: “أنا مترددتش لما استحملت إهانته سنين… كملوا.” ابتدى العمال يدخلوا الكمرات الحديد تحت الأساسات، ويرفعوا المبنى سنتيمتر ورا التاني. أي غلطة كانت ممكن توقع البيت كله، لكن الفريق كان عارف شغله كويس.
في نفس الوقت، كان أشرف بينزل صور فرحه على السوشيال ميديا، وهو ماسك إيد ياسمين وبيكتب: “بداية حياة جديدة مع الإنسانة اللي تستحقني.” الصور وصلت لناس كتير، ووصلت كمان لنجلاء، لكنها اكتفت بابتسامة خفيفة وقفلت الموبايل. بعد ساعات، وصل ابنه آدم رسالة لأمه. “ماما… بابا بيقول أول ما نرجع هنغير عفش البيت كله عشان ياسمين تختار كل حاجة من جديد.” قريت الرسالة، وما ردتش. لأنها كانت عارفة إن بعد كام يوم، مش هيبقى فيه بيت أصلًا عشان يغيروا فيه أي حاجة.
مع غروب الشمس، كان المبنى كله اتفك من قواعده، وابتدت الأوناش تتحرك بيه ببطء شديد ناحية الأرض الجديدة اللي اشترتها نجلاء من شهور من غير ما حد يعرف. المهندس ابتسم وقال: “بصراحة دي من أغرب العمليات اللي اشتغلت فيها.” ردت نجلاء وهي بتتابع البيت بيتحرك قدام عينيها: “وأغرب صدمة لسه صاحب البيت فاكر إنها مستنياه… وهو لسه ما يعرفش إن أول ما الطيارة تلمس أرض القاهرة، هيلاقي حياته كلها اختفت.”
طول اليوم التاني كانت عملية النقل ماشية بدقة شديدة، وكل ساعة المهندس كان يطمن نجلاء إن كل حاجة ماشية حسب الخطة. البيت اتحرك بالفعل من مكانه، والأرض اللي كان واقف عليها بقت فاضية تمامًا، كأن عمرها ما شافت مبنى فوقها. نجلاء ما راحتش تتفرج كتير، كانت عارفة إن أصعب خطوة لسه جاية. راحت مع المحامية أمل تراجع آخر الأوراق، واتأكدت إن كل الإجراءات القانونية اتسجلت، وإن أي محاولة من أشرف يدخل الأرض أو يتصرف فيها هتكون مخالفة للقانون.
في الغردقة، كان أشرف عايش أجمل أيامه من وجهة نظره. كل شوية ينزل صور مع ياسمين ويضحك مع المعازيم، وهو واثق إن أول ما يرجع هيلقى نجلاء نفذت كلامه ومشيت من البيت من غير أي مشاكل. ياسمين سألته وهي بتبص للصور: “هي مراتك السابقة عملتلك مشكلة؟” ابتسم بثقة وقال: “نجلاء؟ دي أهدى واحدة في الدنيا… عمرها ما هتعمل حاجة غير اللي أقولها.” في اللحظة دي رن موبايله. كان واحد من الجيران. رد أشرف وهو متضايق: “خير؟”
الراجل قال بتردد: “هو… إنت بعت البيت ولا إيه؟” ضحك أشرف وقال: “لا طبعًا… ليه؟” الجار سكت ثواني وقال: “أصل في أوناش وعمال من يومين… والبيت… مش موجود.” وش أشرف اتغير فجأة، وقال بعصبية: “إيه يعني مش موجود؟ إنت بتهزر؟” الجار رد بصوت مرتبك: “والله العظيم يا أشرف… الأرض فاضية. أنا واقف قدامها دلوقتي.” أشرف قفل المكالمة وهو بيضحك بسخرية، وقال لنفسه: “أكيد الراجل خرف.” لكن بعد دقيقة، لقى أكتر من رسالة وصورة جاية من جيرانه.
فتح أول صورة… واتجمد مكانه. الأرض فعلًا فاضية… والسور واقف لوحده، لكن البيت اللي عاش فيه 15 سنة اختفى تمامًا. وقع الموبايل من إيده، وكل اللي حواليه لاحظوا إن لونه اتغير، أما ياسمين قربت منه وهي مرعوبة وقالت: “مالك يا أشرف؟… إيه اللي حصل؟” رفع عينه ناحيتها، ولسه مش قادر ينطق، لأنه لأول مرة في حياته اكتشف إن نجلاء عملت حاجة عمره ما كان يتخيل إنها تقدر تعملها… والأسوأ إنه لسه ما يعرفش البيت راح فين.
طول اليوم التاني كانت عملية النقل ماشية بدقة شديدة، وكل ساعة المهندس كان يطمن نجلاء إن كل حاجة ماشية حسب الخطة. البيت اتحرك بالفعل من مكانه، والأرض اللي كان واقف عليها بقت فاضية تمامًا، كأن عمرها ما شافت مبنى فوقها. نجلاء ما راحتش تتفرج كتير، كانت عارفة إن أصعب خطوة لسه جاية. راحت مع المحامية أمل تراجع آخر الأوراق، واتأكدت إن كل الإجراءات القانونية اتسجلت، وإن أي محاولة من أشرف يدخل الأرض أو يتصرف فيها هتكون مخالفة للقانون.
في الغردقة، كان أشرف عايش أجمل أيامه من وجهة نظره. كل شوية ينزل صور مع ياسمين ويضحك مع المعازيم، وهو واثق إن أول ما يرجع هيلقى نجلاء نفذت كلامه ومشيت من البيت من غير أي مشاكل. ياسمين سألته وهي بتبص للصور: “هي مراتك السابقة عملتلك مشكلة؟” ابتسم بثقة وقال: “نجلاء؟ دي أهدى واحدة في الدنيا… عمرها ما هتعمل حاجة غير اللي أقولها.” في اللحظة دي رن موبايله. كان واحد من الجيران. رد أشرف وهو متضايق: “خير؟”
الراجل قال بتردد: “هو… إنت بعت البيت ولا إيه؟” ضحك أشرف وقال: “لا طبعًا… ليه؟” الجار سكت ثواني وقال: “أصل في أوناش وعمال من يومين… والبيت… مش موجود.” وش أشرف اتغير فجأة، وقال بعصبية: “إيه يعني مش موجود؟ إنت بتهزر؟” الجار رد بصوت مرتبك: “والله العظيم يا أشرف… الأرض فاضية. أنا واقف قدامها دلوقتي.” أشرف قفل المكالمة وهو بيضحك بسخرية، وقال لنفسه: “أكيد الراجل خرف.” لكن بعد دقيقة، لقى أكتر من رسالة وصورة جاية من جيرانه.
فتح أول صورة… واتجمد مكانه. الأرض فعلًا فاضية… والسور واقف لوحده، لكن البيت اللي عاش فيه 15 سنة اختفى تمامًا. وقع الموبايل من إيده، وكل اللي حواليه لاحظوا إن لونه اتغير، أما ياسمين قربت منه وهي مرعوبة وقالت: “مالك يا أشرف؟… إيه اللي حصل؟” رفع عينه ناحيتها، ولسه مش قادر ينطق، لأنه لأول مرة في حياته اكتشف إن نجلاء عملت حاجة عمره ما كان يتخيل إنها تقدر تعملها… والأسوأ إنه لسه ما يعرفش البيت راح فين.
أشرف فتح الظرف بإيدين بتترعش، وكانت أول ورقة فيه إخطار رسمي من المحكمة بيأكد إن نجلاء رفعت دعوى طلاق، وطلبت تثبيت حقها الكامل في البيت والأرض، مع تعويض عن الضرر اللي سببه لها بعد ما ساب بيت الزوجية وحاول يطردها منه. الورقة التانية كانت من البنك، بتأكد إن كل الحسابات المشتركة اتقفلت، وكل واحد بقى مسؤول عن نفسه. بص لنجلاء وهو بيقول بصوت مكسور: “يعني بعد العمر ده كله… هتعملي فيا كده؟” ردت بهدوء: “أنا معملتش فيك غير اللي إنت بدأت بيه. إنت اللي قررت ترميني برا حياتك، وأنا قررت أخرجك من الحاجة الوحيدة اللي كنت فاكر إنها ملكك.”
ياسمين كانت واقفة بعيد، وكل شوية تبص لأشرف وللناس اللي اتجمعت حواليهم. ولأول مرة بدأت تشوف الحقيقة، الراجل اللي وعدها بالسعادة كان في الحقيقة خسر بيته وأسرته واحترام ولاده. بعد يومين، ملك وآدم طلبوا يقابلوا أمهم. أول ما شافوها حضنوها جامد، وقال آدم: “إحنا افتكرنا إنك هتسيبينا، لكن بابا هو اللي سابنا.” أما ملك فقالت وهي بتمسح دموعها: “إحنا مش زعلانين عشان البيت… إحنا زعلانين عشان بابا باع عمر كامل عشان نزوة.” الكلام وقع على أشرف زي الصاعقة. حاول يقرب منهم، لكنهم اعتذروا ومشيوا مع أمهم.
بعد أسابيع قليلة، بدأت المشاكل تدب بينه وبين ياسمين. المصاريف زادت، والشغل اتأثر بعد اللي حصل، والناس في الشركة بقوا يتكلموا عن اللي عمله. العلاقة اللي كان فاكرها حلم، اتحولت لخناقات كل يوم، وفي الآخر ياسمين سابت الشقة ومشيت بعد أقل من ست شهور، وقالتله قبل ما تقفل الباب: “أنا اتجوزت راجل ناجح… مش واحد ضيع كل حاجة بإيده.” أما نجلاء، فنقلت البيت للأرض الجديدة، وجدّدته، وبدأت حياة مختلفة. رجعت لشغلها، واهتمت بولادها، وبقت تضحك من قلبها لأول مرة من سنين.
وفي يوم، وهي قاعدة في البلكونة تشرب قهوتها، عدّى قدام البيت أشرف بعربيته القديمة. وقف لحظة وبص للبيت اللي كان فاكر إنه هيمتلكه للأبد، لكنه بقى بعيد عنه أكتر من أي وقت. ابتسمت نجلاء ابتسامة هادية وقالت لنفسها: “البيت عمره ما كان مجرد طوب وأسمنت… البيت هو اللي بيحترم اللي بناه وحافظ عليه.” أما أشرف، ففهم الدرس بعد فوات الأوان… إن اللي يبيع عشرة السنين عشان لحظة إعجاب، ممكن يصحى في يوم يلاقي إنه خسر زوجة مخلصة، وولاده، وبيته، وحتى نفسه.
تمت.

