حسيت الدنيا بتلف بيا، ومسكت طرف المكتب عشان مقعش.
قلتله: “هو عمل إيه تاني؟”
رد وهو بيزقلي الورقة: “خديها… ومتضيعيش وقت.”
خرجت من المحكمة وأنا مش شايفة قدامي. الناس ماشية، والعربيات بتعدي، وأنا حاسة إني ماشية في حلم تقيل.
أول حد كلمته كان محامي رشحهولي زميل في الشغل.
دخلت مكتبه، حكيتله من أول الجوازة لحد الورقة.
قراها مرة… واتنين… وتلاتة.
كل مرة كان وشه بيتغير.
وأنا قلبي بيدق أسرع.
قلتله: “رد عليا… بالله عليك.”
رفع عينه وقال: “إنتي متأكدة إن جوزك كان بيقولك كل حاجة عن شغله وفلوسه؟”
ضحكت ضحكة كلها وجع.
“هو عمره قال الحقيقة في حاجة؟”
فتح درج مكتبه، وطلع ورقة بيضا، وبدأ يكتب كام طلب وقال: “لازم نستخرج مستندات تانية الأول.”
قلتله بعصبية: “هو أنا ناقصة؟ قولي في إيه.”
بصلي وقال بهدوء: “لو كلامي طلع غلط هكون ظلمته… ولو طلع صح… يبقى اللي عمله فيكي أكبر بكتير من الخيانة.”
خرجت من عنده وأنا حاسة إن صدري هيقف.
رجعت البيت لقيت بنتي جريت عليا حضنتني.
قالت وهي مبتسمة: “ماما… بابا هيرجع إمتى؟”
السؤال نزل على قلبي زي السكينة.
بلعت ريقي بالعافية وقلت: “مش عارفة يا حبيبتي.”
قالت وهي باصة للأرض: “أنا وحشته… حتى لو هو مش بيسأل عليا.”
ساعتها مقدرتش أمسك نفسي.
حضنتها وعيطت لأول مرة من يوم ما المأذون بلغني بالطلاق.
مكنتش بعيط على جواز انتهى…
كنت بعيط على طفلة ذنبها الوحيد إنها استنت أب عمره ما فكر فيها.
عدى أسبوع، والمحامي كلمني وقال: “تعالي حالًا… المستندات وصلت.”
جريت عليه.
أول ما دخلت، كان ساكت.
قدامي ملف سميك مفتوح.
قعدت قدامه وأنا إيدي بتترعش.
قال: “قبل ما أقولك أي حاجة… لازم تكوني قوية.”
ابتسمت بمرارة وقلت: “بعد اللي شوفته… مفيش حاجة هتكسرني.”
بصلي نظرة طويلة، ولف الملف ناحيتي.
وأشار بإيده على أول مستند.
وقال: “للأسف… إنتي غلطانة.”
استغربت وقلت: “غلطانة في إيه؟”
قال: “إنتي فاكرة إن الراجل ده كان بيخطط يسيبك من كام شهر… لكن الحقيقة إنه كان بيخطط للي حصل ده من سنين.”
وبعدين طلع مستند تاني من الملف، وحطه قدامي.
أول ما قريت أول سطر فيه… حسيت الدم هرب من وشي، لأن الاسم المكتوب في الورقة مكانش اسم الست اللي اتجوزها بعدي… كان اسم شخص تاني، وجوده في القصة كلها كان معناه إن كل اللي كنت أعرفه عن حياتي… كان مجرد نص الحقيقة.
……….
مسكت طرف المكتب وأنا حاسة إن الهوا اتسحب من الأوضة، بصيت للمحامي وقولت بصوت طالع من زوري: “اسم مين ده؟ فهممني بالعربي، يعني إيه الشخص ده ليه علاقة بالموضوع؟”
المحامي شبك صوابعه وحطها على المكتب، وقال بجدية وجوه عيونه نظرة شفقة زادت من رعبى: “يعني يا مدام، جوزك السابق مش بس طردك من حياته وتجوز غيرك، ده نقل كل الأصول والممتلكات والعقارات اللي اشتغلتوا فيها طيلة سنين جوازكم باسم الشخص ده.. شراكة قديمة متوثقة بأوراق رسمية من خمس سنين، يعني من قبل ما تفكروا أصلًا تفتحوا بيت لوحدكم.”
الصمت سيطر على المكتب دقايق، حسيت إن عقلي وقف عن الاستيعاب.
خمس سنين؟ يعني كل قرش كنت بجمعه معاه، وكل تعب وشقي السنين، وكل لحظة كنت بقول فيها معلش بكرة هترتاح، كان بيبني بيها إمبراطورية تانية لغيري، وباسمي أنا اتسجل الديون والهم.
قولت بصوت مكسور ودموعي نازلة على خدودي من غير ما أحس بيها: “طب وليه؟ أنا عملتله إيه عشان يعمل فيا وفي بنته كده؟”
رد بهدوء قاسي: “الفلوس والطمع يا مدام.. لما البني آدم بيبيع ضميره، مبيفكرش في زوجة ولا في بنت تستنى في البيت. بس اعتبري نفسك محظوظة إننا وصلنا للملف ده دلوقتي، لأننا بالورقة دي هندخل المعركة واحنا معانا سلاح يهد الدنيا فوق راسه.”
بلعت ريقي وبصيت للورقة اللي قدامي، الاسم كان بيلمع قدامي كأنه وصمة عار. حسيت إن الضعف اللي جوايا اتحول فجأة لبركان غضب. مسحت دموعي بايدي ورفعت راسي للمحامي وقولت بصوت ثابت وصارم: “تمام.. طالما بدها كده، يبقى مفيش تراجع.. وريني هنعمل إيه وهنبدا منين.”
ابتسم باحترام، وفتح دراعه وسحب أوراق تانية، وقال: “من هنا.. من نقطة الهجوم مش الدفاع.”
………
المحامي طلع أوراق تانية من الملف ومدها ناحيتي وقال بجدية:
“دلوقتي خطوتنا الأولى مش القضاء المدني وبس، دي قضايا تزوير واستيلاء على أموال بطرق ملتوية، وده معناه بلاغ فوري للنائب العام عشان نمنعه من التصرف في أي أصل من الأصول دي قبل ما يهربها بره البلاد.”
بصيت للورق وأنا حاسة إن نبضات قلبي بتسارع بس المرة دي من الحماس مش الخوف، وسألته: “والبنت اللي سألتني ماما بابا هيرجع إمتى؟ دي ذنبها إيه تعيش مهددة في مستقبلها؟”
رد وهو بيطمني: “حق بنتك ورجوع حقك كله ده اللي هنبنيه خطوة بخطوة، بس المطلوب منك دلوقتي إقرار رسمي وتوكيل عام تفويض بالقضايا دي عشان نتحرك بسرعة قبل ما يحس إننا كشفناه.”
مضيت على الورق من غير ما أتردد لحظة واحدة، حسيت إن إيدي وهي بتمضي كانت بتكتب نهاية صفحة الضعف وبداية صفحة القوة، خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة بوزن تاني على كتافي بس دي المرة كنت شايلة سلاحي مش طعنة في ضهري، ركبت العربية وكلمت نفسي في المراية: “يا أنا يا إنت يا فلان، واللي سرقتيه من عمري وسنيني هترجعيه صاغر غصب عنك، عشاني وعشان بنتي اللي ملهاش غيري في الدنيا دي.”
حكايات انجى الخطيب